البوكمال في العهد الانكليزي بسم الله الرحمن الحريم ( البوكمال في عهد الانكليز ) دخول الانكليز : احتل الانكليز بغداد في 11 آذار عام 1917 م بعد ان كانوا محاصرين في الجنوب منذ عام 1914 م وأخذوا يتحركون ببطء نحو الشمال على طول الفرات ، وفي الحبانية (سن الذبان ) أقاموا أضخم قاعدة لهم في الشرق الأوسط ، ومن هذة القاعدة خططوا لاستكمال احتلالهم للفرات وفقاً لمعاهدة سايكس بيكو 0 استخدم الانكليز الحرب النفسية والجواسيس ، ففي كل مدينة يحتلونها يرمون في أسواقها الأرزاق والخيرات من الأرز والشاي وسكر (البرقان ) والسمن بأسعار رمزية ، فتدافع الناس الذين عضتهم المجاعة لشرائها ، وخصص الانكليز للبيوت المشهورة كميات من الأرزاق مجاناً ، فأخذ ضعاف النفوس يلهجون بذكر الانكليز وسيرت اخبار الأرزاق التي وفروها للمناطق المحتلة مع المسافرين على طول الفرات 0 وتبين أن الانكليز كانوا يتصرفون في المنطقة وهم على دراية تامة بأحوال البلاد والعباد ، كما تبين أنهم كانوا يقيمون شبكة من الجاسوسية في طول الفرات وعرضه ، لجمع المعلومات بواسطة الرحالة وضباط المخابرات أمثال لورنس المنسوب للعرب إفكاً ، والكابتن لجمه (نجيمان) عام 1913 م ، عرفت البوكمال نجيمان أحد الدراويش ينام في المساجد ، ويتسول في القرى ، ويبيع لعب الأطفال ويهيم على وجهه في الطرقات مصطنعاً البلاهة وشرود الذهن ، ولطوله الفارع كان ليقبه بعض الناس ( بالحاج لقلق ) عاد نجيمان مرشداً للحملة الانكليزية التي غزت الفرات السوري عام 1919 م وسبب تسميته لنجيمان بدلاً من لجمه هو شراؤه حصاتاً أبيض أسمه نجيمان من سند الكربولي من أهالي القائم في العراق ، وكان يخوض عليه بعض المعارك ويقول : نجيمان لجمه راعي العليا ، إن خفينا من يبين ؟ وهذه نخوة كان يستخدمها بدو العنزة في الحرب 0 وهناك بعض المصادر تذكر أنه جند في الفرات الاوسط خمسة وعشرين جاسوساً محلياً ، وعاث هذا المجرم الفساد في الأرض حتى قتله الشيخ ضاري بن محمود من شيوخ قبيلة الزوبع الشمريه على مشارف بغداد في أحداث ثورة العشرين الخالدة 0 كانت أخبار نية الانكليز دخول سنجق دير الزور ترد تباعاً إلى المنطقة ، فساد الهلع والذعر بين المواطنين ، والتزم أهل الأرياف قراهم ، ووقعت مفرزة الشريف بقيادة توفيق الشلاش في حيرة 0 وبينما كانت قيادتها تتشاور مع عبدالدندل من شيوخ العقيدات في البوكمال في 9 كانون الثاني عام 1919 م صاح رجل كان يراقب البادية من مئذنة المسجد الكبير ( يا دين محمد جاءنا الكفر ) لقد شاهد آليات الجيش الانكليزي تثير جبهة عريضة من الغبار قادمة من الصحراء ، فهاج الناس ، وأختفى الجبناء ، وبرزت مجموعة أنتحارية من مفرزة الشريف وأهل المدينة ، وعبد الدندل مع بعض رجاله 0 صمموا على القتال حتى النهاية في معركة خاسرة معروفة النتائج سلفاً ، وكمنوا في سهل ضبيعة في تله تشرف على الطريق ، واشتبكوا مع طلائع الجيش الانكليزي لمدة خمسين دقيقة فاخترقهم الجيش بعرباته المدرعة وفر من فر وجرح من جرح ، ونقل عبد الدندل ودمه ينزف إلى قرية السوسة في الجزيرة ، ومات في ابن عمه وصديقه المخلص فارس المحمد ، الذي كان يشاطره كره الأوربيين ويعتبرهم من الكفار ، ودفن عبد الدندل في مقبرة الجزمة بين قريتي السوسة والشعفة من منطقة البوكمال ، فكانت الجنازة مناسبة وطنية صمم فيها البوكمال من العقيدات على القتال وآخذ الثأر 0 اخترق الجيش الانكليزي مدينة البوكمال ووقف فيها للراحة ومعه الشيخ علي السليمان من الدليم ، تناولوا طعام الغذاء عند أحد وجهاء مدينة البوكمال ، وكانوا يسألون بحرارة عن مكان الشيخ عبد الدندل ، فاخبروا بأنه هو وجيش الشريف الذين قاتلوكم في ضبيعه ، وأنه جرح ومات ، وحال سماعهم للنبأ نهضوا مسرعين وغادروا المنطقة إلى دير الزور 0 ثورة البوكمال عام 1919 م : آن لي أن أدون أحداث هذه الثورة المنسية في التاريخ ، والمنسية من قبل أبناء الفرات أنفسهم ، على الرغم من كون اخبارها لاتزال موجودة في صدور الرجال ، وصفحاتها الناصعة في بعض المصادر النادرة متوفرة ، وتفاصيلها في السجلات العسكرية البريطانية موجودة في لندن ، وكم جمعت من معلومات عن هذة الثورة التي أشعلت ثورة العشرين في العراق وكادت أن ترد الانكليز عن كل منطقة الشرق الأوسط لولا تخاذل بعض الخونة ، ولولا اليد الغريبة التي لازال أبحث عن رموزها الخفية التي قطعت عرى الاتصال بين الثورتين 0 وكم كان بودي ان أقول كل ماأعرفه من أحداث ، ولكن الواقع الأجتماعي المعقد يمنعني كما منع غيري من وضع النقاط على الحروف 0 لقد أفرجت الدول الغربية عن وثائق الحرب العالمية الأولى ن وتكشف حقائق تتطلب منا إعادة كتابة تاريخ المنطقة من جديد ، فما كان ينسب لبعضهم من النشاط الوطني ظهرت بحقهم أعمال غير مشرفة ، واحتراماً للاحياء قبل الاموات أستخدم التلميح قبل التصريح في بعض المواقف والاحداث في هذة الثورة 0 شبت نار الثورة في البوكمال بسبب مقتل عبد الدندل مباشرة ، وهو الشخصية المحبوبة عند عشائر العقيدات في كل سنجق دير الزور ، وامتدت إلى بقية أرجاء محافظة دير الزور بسبب الظلم الذي مارسه الجيش الانكليزي في المنطقة ، وقد دون الأستاذ المهندس الزراعي وصفي زكريا الذي كان موجوداً في المنطقة بعض نتائج وأسباب هذة الثورة ، قال : وقد أدركت ذلك لما كنت ظهرانيهم بمهمة مكافحة الجراد عام 1916 م فما إن انسحب الترك سنة 1918م حتى ثأروا على الانكليز الذين كانوا قد وصلوا من العراق إلى هذه الأنحاء ، وجرت معارك عديدة في الصالحية ووادي علي وتل المدكوك في شتاء عام 1919 م وربيعها ، دارت الدائرة فيها على الانكليز وقتل منهم مئات ، رغم طائراتهم وسياراتهم المدرعة ، وقد أسقط العقيدات يومئذ عدداً من هذه الطائرات ، واستولوا على عدد من تلك السيارات ، وذبحوا ركابها ، فانسحب الانكليز إلى وراء الحد الذي نصبوه في القائم ، وتركوا البلاد لأهلها وللحكومة الفيصلية 0 المقدمات والوساطة : تميزت ثورة البوكمال ضد الانكليز في البداية بالفردية والعفوية ، إذ لم تكن على موعد مسبق مع الأحداث ، وتمت بدون أعداد أو تنسيق ، وأخذت طابعاً عشائرياً ، فكل فئة أخذت تسابق الأخرى لإحراز النصر وتسجيله باسمها ، ولو كان الجهد موحداً لجاءت النتائج أكثر ايجابية ، يضاف إلى ذلك كله ضعف مصادر التسليح ، وافتقار الثورة للسلاح الثقيل إلا ماكان يغنم في المعارك ، ويقوم ضباط الشريف بتدريب الناس عليه ، ومن هؤلاء الضباط مصطفى القدسي الذي لا يزال أحفاده في البوكمال حتى هذا التاريخ ، وعزز الثورة قيام الضابط العثماني رمضان الشلاش من البوسرايا من العقيدات بدفع مسيرة الثورة ضد الانكليز في كافة أرجاء المحافظة 0 وعلى مستوى التفكير بثورة شاملة لمست أثار تحركات بعض الضباط الوطنيين من بقايا الجيش التركي ومن ضباط جيش الشريف ، وقد وضعت بعض المبادئ الفكرية لهذة الثورة فقد كان يجوب المنطقة عجمي السعدون باشا الذي انسحب مع العثمانيين إلى ديار بكر ، وهو من شيوخ السعدون من عرب المنتفك في جنوب العراق ، وسلطان المغير من زبيد الحله ، ومولود مخلص باشا وعلي العسكري ، وجميل المدفعي ، وعلي الأيوبي ، ويوسف السويدي ، وشخصية من آل الصدر في العراق 0 كما كانت الثورة تفتقر إلى الناحية الإعلامية ، ولهذا نلمس قلة المصادر التي تناولتها بالتفصيل ، وقد سبقت المعارك وساطة قام بها ابن هذال من شيوخ العمارات من العنزة بين العقيدات والانكليز ، وقد روى لي والدي المثقف الوحيد الذي كان يتقن التركية والكتابة العربية من البوكمال من العقيدات قصة تلك الوساطة ، وقرأ علي الرسالة التي كان يحتفظ بها وأرسلها الانكليز من العراق إلى الحسون لتجنب المعارك وسفك الدماء 0 قال : في بداية شتاء عام 1919 م طلب ابن هذال شيخ العمارات مقابلة الشيخ مشرف الدندل في حماد بادية الشام ، وكان العمارات غي حالة حرب عشائرية مع العقيدات ، واتفق الطرفان على مكان محدود على ان يجلب كل واحد منهم خمسة وعشرين من الفرسان للحماية فقط 0 وباعتباري القارئ الوحيد للرسائل من بين كل الحسون اصطحبني مشرف معه ولم يتجاوز عمري في حينها الثامن عشرة ، وعندما وصلنا إلى المكان المحدد الواقع في منتصف الطريق بين ديار العمارات وديار العقيدات شاهدنا جمع العمارات ، ووقف الجمعان في مسافتين متباعدتين ، وترجل مشرف الدندل ، كما ترجل ابن هذال ، والتقينا في منتصف المسافة بين الجمعين ، وتعانقا وجلسا في الأرض ساعة من الزمن ، ثم ناداني مشرف الدندل ، وقال أقرأ هذه الرسالة : الشيخ مشرف ابن دندل شيخ البوكمال من العقيدات تحية طيبة وبعد بود قيادة الجيش البريطاني في العراق أن تعزيكم بمقتل أخيكم المرحوم عبد الدندل باسم حكومة التاج البريطاني ، وتأسف لمقتله الغير مقصود ، وتعتبر غيابه خسارة لبريطانيا قبل أن يخسرة العقيدات ، ولهذا نسوق إليكم جاه الله وجاه ابن هذال لحقن الدماء بيننا ، ونحن على استعداد لدفع الدية من الذهب ، وزن أثقل رجل من رجالكم ، نأمل استجابتكم لهذا المطلب والسلام عليكم 0 قيدادة الجيش البريطاني – العراق وعندما فرغت من قراءة الرسالة ، قال ابن هذال : يا مشرف ابن دندل ، اتق الله 00 العشائر سلمت وتعبت من محاربة الجيش البريطاني من البصرة حتى البوكمال ، وماهي قدراتك أمام الجيش البريطاني بطائراته ومعداته ؟! وماكنت يوماً مشفقاً على البريطانيين بمقدار قلقي على العقيدات الذين تريد ذبحهم بمحرقة الجيش البريطاني ، وحربنا العشائرية لا تحول بيننا في مجال تبادل الرأي 0 فماذا تقول ؟ وماذا أقول لأصحاب الرسالة ؟ 0 قال : وبكي مشرف الدندل وأقسم الأيمان المغلطة بأنه سيقتل بكل قطرة من دم عبد الدنل جندياً بريطانياً بعون الله 0 وأمام هذا الاصرار تأثر ابن هذال ، وقال : لكم ماتريدون ، وعدنا وعدت بالرسالة وفي محالولة أخرى كلف الانكليز عاصي الأحول – من وجهاء الحسون – بنقل رسالة إلى مشرف الدندل يطلبون فيها الصلح وحقن الدماء ، فأصر على القتال والثأر رغم كل المحاولات 0 كتبت هذا الموضوع من كتاب شعب ومدينة على الفرات الاوسط الاستاذ الكبير / أسعد الفارس ملاحظه : للموضوع بقية عن باقي المعارك ، أوعدكم بنشرها بأقرب وقت ممكن تقبلوا تحياتي وتقديري |